في ظل تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد-19) حول العالم، شرعت الحكومات المختلفة في انتهاج عدة استراتيجيات وتدابير احترازية للحد من انتشار الفيروس وكبح جماحه، يمكن أن نصف معظم هذا الاستراتيجيات بأنها كانت دفاعية أكثر منها هجومية. تحاول المؤسسات الطبية من خلالها أن تهرب من شرور الفيروس عوضًا عن مواجهته بشكل صريح؛ نظرًا لغياب العلاج الدوائي. لكن ما علاقة هذا بمفهوم مناعة القطيع فعلًا؟ مهلًا، لا تتعجل، الأمر أكبر مما تتخيل.

بعد فترة قصيرة من ظهور الفيروس في الصين، اجتاح جميع أنحاء العالم وانتشر كالنار في الهشيم، لم يعد أحد بمنأى عن الخطر. الحرب في أوجها ولا نملك لها زادًا أو عتادًا اللهم إلا جهاز المناعة الذي يحاول جاهدًا التعامل مع عدوه الجديد الذي أصبح الهروب من مواجهته بمثابة الحل الأمثل والوحيد. لم يكن أمامنا سوى اللجوء إلى الحجر الصحي، والالتزام بتدابير التباعد الاجتماعي، والحرص على ارتداء الماسك الطبي وما إلى ذلك من الإرشادات الصحية التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية.

لكن هل يصمد العالم طويلًا في دائرة الدفاع والهروب تلك أم أن المواجهة هي الحل الأمثل؟ لا نمتلك اللقاح الذي يلهمنا الإجابة المؤكدة، لكن مؤيدوا استراتيجية مناعة القطيع يرون أننا نمتلك السلاح الأكثر فتكًا، إلّا أن السبيل يعج بالمصابين الذين يفقدون أرواحهم، فضلًا عن أن نتائج الحرب لا تحتم النصر دائمًا. لا يخلو مفهوم مناعة القطيع من الجدل الأخلاقي والفلسفي، دعونا نتعرف على آلياته والإشكاليات العلمية والفلسفية المتعلقة به.

ما المقصود بمفهوم مناعة القطيع؟

قبل التطرق إلى مفهوم مناعة القطيع دعونا نتعرف أولًا على الطريقة التي يتبعها الجهاز المناعي في البشر للقضاء على العدوى. 

عند إصابتك بمرضٍ ما يقوم الجسم بمواجهة مسببات المرض سواء كانت عدوى بكتيرية أو فيروسية، ويشن هجومًا مناعيًا من خلال عدة تفاعلات يتكوّن على إثرها ما يُعرف بالأجسام المضادة. وهي المواد التي تتعرف على مسببات المرض فور مهاجمتها للجسم مرة أخرى وتُنشِّط الخلايا المناعية المسؤولة عن القضاء عليها.

تبقى (خلايا الذاكرة) في الدم لمدة طويلة بعد التعافي، فإذا تعرضت للإصابة بمرض ما سبق وأن أُصيبت به من قبل، لا يبذل جهازك المناعي مجهودًا مضنيًا في محاربته، وإنما يعتمد على تلك الخلايا في تذكر العدوى السابقة، ثم إنتاج نفس الأجسام المضادة التي صُنعت لها في الماضي. وتنتهي المهمة بالقضاء على العدوى بنجاح دون أن يُقاسي الفرد من أي أعراض مطلقًا، مما يعني أنك أصبحت محصنًا ضد المرض.

عندما يكتسب معدل كبير من المجتمع مناعة ضد مرض ما يمكننا تحقيق مفهوم مناعة القطيع أو المناعة المجتمعية – Herd Immunity. والتي تشير إلى أن المجتمع أصبح محصنًا ضد العدوى؛ مما يؤدي إلى تقليل انتشارها والحد من احتمالية انتقالها من فردٍ إلى آخر.

مناعة قطيع - مصل فيروس كورونا

في كثير من الأحيان يستلزم تفشي الوباء إصابة نسبة معينة من السكان نطلق عليها معدل البدء – Threshold Proportion، إذا كانت نسبة السكان المحصنين من مرض ما أكبر من معدل البدء سوف يتناقص انتشار المرض تدريجيًا. وفي هذه الحالة يمكننا القول بأننا على مشارف الوصول إلى مناعة القطيع فعلًا. ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا على أذهاننا الآن يتركز حول معرفة عدد السكان الذين يجب أن يتم تحصينهم حتى نستطيع تحقيق مناعة القطيع بشكلٍ فعّال.

في الحقيقة؛ تختلف النسبة باختلاف نوع المرض ومعدل انتشاره ومدى خطورته، فكلما كان المرض معديًا وسريعًا في الانتشار، ازداد معدل السكان المُفترض لهم أن يكتسبوا مناعة حتى يكبحوا انتشار العدوى. فعلى سبيل المثال؛ يعد فيروس الحصبة من الفيروسات شديدة العدوى التي تستهدف الجهاز التنفسي وتتسبب في مضاعفات شديدة الخطورة. ولكي نتصدى له، يجب أن يتم تحصين نسبة كبيرة من المجتمع تُقدر بحوالي 94%. 

وما إن يتم تحقيق مناعة القطيع سوف تصبح كافة قطاعات المجتمع وفئاته في منأى عن خطر الإصابة، وبالأخص تلك الفئة من ذوي المناعة الضعيفة أو الأطفال حديثي الولادة، أو المصابين بأمراض مناعية عملت على تثبيط الجهاز المناعي لديهم، أو كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.

كيف يمكن تحقيق مناعة القطيع؟

لكي تتحقق مناعة القطيع يجب أن يكتسب معدل كبير من السكان مناعة ضد المرض، حتى يتسنى لهم مجابهته ووقف سلاسل انتقاله بين أفراد المجتمع. ويمكن اكتساب المناعة بطريقتين؛ إمّا صناعيًا بواسطة اللقاح أو طبيعيًا بواسطة الأجسام المضادة التي يكوِّنها الجسم ويخزنها بعد التعافي من العدوى، ولكل منهما آلية معينة كما يلي:

التلقيح لتحقيق مناعة القطيع

مناعة القطيع - مصل كورونا

وجود لقاح للفيروس المُسبِّب لوباء كورونا المستجد (كوفيد-19) يعد بمثابة نهج مثالي يجب بذل كافة المساعي الحثيثة في سبيل تحقيقه وتحصين عدد كبير من السكان حتى نصل إلى مناعة القطيع المنشودة، تُكسبنا اللقاحات مناعة ضد الأمراض دونما إلحاق أي أضرار أو تطورات غير محمودة العواقب.

باتباع مفهوم مناعة القطيع نجحت اللقاحات على مدار عقود عديدة في وضع الأمراض المعدية الأشد ضراوةً تحت السيطرة مثل شلل الأطفال والجدري والخُنَاق أو الديفتيريا diphtheria والحصبة الألمانية أو كما تُعرف بالحُميراء rubella وغيرهم الكثير.

الطريق ليس ممهدًا دائمًا أمام التلقيح من أجل الوصول إلى مناعة القطيع، فقد سجلت هذه الآلية بعض الإخفاقات متمثلة في عدم نجاح اللقاح في القضاء الكلي على المرض وارتداده من جديد، علاوةً على تناقص معدل الحماية التي يوفرها اللقاح بمرور الوقت؛ بما يعني أن قدرة اللقاح على مجابهة العدوى لا تظل ثابتة دائمًا، مما يتطلب إعادة التلقيح. كما تحتاج بعض الأمراض جرعات متتالية من اللقاح على فترات زمنية محددة من أجل بلوغ التحصين الرادع ضد المرض. وعند تقاعس الأفراد عن الالتزام بتعاطي كافة الجرعات؛ لن يصبحوا محصنين ضد العدوى، ولن نتمكن من تحقيق مناعة القطيع. 

عوضًا عن كافة المعضلات السابقة، تأتي مشكلة إعراض الناس عن تعاطي اللقاحات في مقدمة المعوقات التي تمنع تحقيق التحصين المجتمعي. ويأتي الإعراض نتيجة لاتباع بعض الأعراف والمعتقدات الخاطئة أو الآراء المضللة التي تتكهن ببعض الآثار السلبية، أو نتيجة التشكيك في فاعلية اللقاح من الأساس.

إذا كانت نسبة الأفراد الملقحين في مجتمع ما أقل من معدل البدء لمناعة القطيع Herd Immunity Threshold؛ قد تنجم كارثة حقيقية عند التعرُّض لمرض معدٍ، شهدت العديد من البلدان حول العالم ارتداد مرض الحصبة بعدما قلت معدلات التلقيح نسبيًا، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكيّة. تُمثل معارضة اللقاح تحديًا جسيمًا يحول دون تحقيق مناعة القطيع والسيطرة على تفشي الأمراض المعدية.

الأجسام المضادة ودورها في تحقيق مناعة القطيع

يمكننا بلوغ مناعة القطيع لفيروس كورونا المستجد في حال إصابة أعداد كبيرة من المجتمع، وتعافي معدلات كافية تعمل على تطوير أجسام مضادة تحميها من أي عدوى محتملة مستقبلًا. ومن الأمثلة الجليّة على ذلك، ما حدث في عام 1918 عندما تفشى وباء الإنفلونزا الإسبانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأُزهقت أرواح الملايين من البشر. وقد لُوحظ أن الناجيين من الإصابة بالإنفلونزا الإسبانية كانوا محصنين طبيعيًا ضد العدوى بفيروس الإنفلونزا H1N1 وهي إحدى فصائل الإنفلونزا ألف – Influenza A، والتي تصيب الجهاز التنفسي في البشر وتُعرف بإنفلونزا الخنازير.

اقرأ ايضاً  ضاحي خلفان يستعرض عضلاته ويهدد بمقاضاة وزير الدفاع التركي "بعدما" يتخلى عنه أردوغان فقط!

إلّا أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) اجتاح العالم بدون أي مقدمات منذرة، فتفشى بدون رادع سواء، كان صناعيًا كاللقاح أو طبيعيًا كالأجسام المضادة. يستلزم منع انتشار الفيروس الآن أن تُحصن نسبة كبيرة من السكان، وتشير بعض الدراسات إلى أنها تقدر بحوالي 80%.

اقترح العديد من خبراء الصحة العامة تطبيق مفهوم مناعة القطيع للسيطرة على وباء كورونا، عن طريق السماح لانتشار الفيروس بأسلوب مدروس وخاضع للتحكم والضبط؛ بهدف الوصول إلى عدد من المتعافين المحصنين بصورة طبيعية ضد الفيروس، مما يقي الأشخاص الضعفاء وغير المحصنين من خطر الإصابة بالعدوى. وعلى الرغم من تمكُّن أستراليا حتى الآن من السيطرة على انتشار الفيروس، فمن المحتمل أن تزداد أعداد الإصابات الجديدة جراء تحرّك حكومة الولاية والأقاليم للتخفيف من استراتيجيات التباعد الاجتماعي وإجراءات العزل الذاتي.

وبالحديث عن مناطق أخرى في العالم مثل أمريكا الشمالية وأوروبا، نجد أن الوضع أسوأ بكثير من أستراليا. إلّا أنه تم التخلي بالفعل عن الاستراتيجيات الأولية الصارمة لصالح سياسات التخفيف، والتي تهدف في المقام الأول إلى حماية اقتصاد البلاد. 

مناعة القطيع - فيروس وأجسام مضادة
تُظهر الصورة الأجسام المضادة (باللون الوردي) وهي تهاجم الفيروس (باللون الأزرق).

في ضوء ما سبق، تطالب العديد من فئات المجتمع ورجال الأعمال وشركات القطاع الخاص بتفعيل استراتيجية مناعة القطيع بدلًا من كبح انتشار الفيروس والركون إلى الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي. وفي هذا الصدد صرّح البروفيسور مارتن كولدورف – Martin Kulldorff أستاذ بكلية الطب جامعة في هارفارد، بأنه ليس أمامنا خيار آخر سوى السماح للفيروس بالانتشار بدلًا من السعي لقمعه معللًا ذلك؛ قائلًا:

يُعرف الفيروس بضراوته وانتشاره الواسع، وهناك العديد من الحالات التي لا تظهر عليها أعراض. لا يمكن السيطرة على كوفيد-19 على المدى الطويل، والاعتقاد القائل بخلاف ذلك ساذج وخطير. 

يتعين على الحكومات إصدار حكم واضح بشأن معدلات الإصابة والوفاة المحتملة نتيجة السماح للفيروس بالانتشار وتفعيل مبدأ مناعة القطيع يا رفاق. وذلك حتى نتحمل بشجاعة العواقب الوخيمة في سبيل السيطرة على كوفيد-19. التخفيف من إجراءات التباعد الاجتماعي والحجر الصحي قد يمثل ضررًا جسيمًا على كبار السن والمرضى المصابين بحالات مرضية خطيرة فهما الفئة الأكثر عرضة للخطر. 

تكمن معظم الانتقادات الموجَّهة لاستراتيجية مناعة القطيع في التبعات المتعلقة بالسماح للفيروس بأن يغزو الجهاز المناعي، وكأنك تفتح أمامه الأبواب الموصدة وتشن الحرب بنفسك، تلقي بشعبك في بحر قد لا يقوى على الصمود أمام أمواجه المتلاطمة. تتحدى المرض وكُلُّ على حسب قوة جهازه المناعي، إمّا أن تنجو وتُكوِّن أجسامًا مضادة تحميك فيما بعد، أو تفقد روحك بلا مقابل. تتمسك بالمواجهة وتتخلى عن الدفاع مهما كانت الخسائر، تقامر بالأرواح في لعبة تديرها المصالح الاقتصادية ولا شيء سواها. إنها مغامرة لا تقوى الكثير من الدول على تحمل تبعاتها.

اقرأ ايضاً  الفنان المصري أحمد الفيشاوي يُهدي متابعيه صورة ساخنة لزوجته بمناسبة عيد الأضحى!

العقبات التي تحول دون تحقيق مناعة القطيع بالطرق السابقة

نظرًا لعدم إطلاق أي لقاح لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حتى الآن؛ فلا تزال كل اللقاحات قيد التطوير في المختبرات البحثية، فمن الأفضل أن نجنح إلى الإجراءات الاحترازية المعهودة مثل التباعد الاجتماعي والحرص على ارتداء القناع الطبي وغسل وتعقيم اليدين باستمرار، فهي الحل الوحيد والآمن بعيدًا عن المُخاطرة التي قد تؤدي إلى نتائج خطيرة. 

هناك العديد من المشاكل العملية التي ينطوي عليها التخلي عن القيود المفروضة على حركة المواطنين والسماح للعملية الاقتصادية بأن تنتعش من جديد. تتعلق تلك المشاكل بالأفراد الأكثر عرضة للخطر، حيث يرى خبراء الصحة أنه من المستحيل عزل كبار السن من السكان عن الشباب. الأمر الذي تقر به العديد من آليات مناعة القطيع صراحةً.

صرّحت عالمة الأوبئة في جامعة سيدني، فيونا ستانواي – Fiona Stanaway، قائلة:

سيكون من الصعب حقًا أن يقتصر انتقال الفيروس على فئة واحدة من المجتمع.

فتطبيق آليات مناعة القطيع سوف تُلحق الضرر بالشباب وكبار السن على حدٍ سواء. من المرجح أن تكون معدلات الوفاة مرتفعة حتى بين فئة الشباب. في بلد مثل المملكة المتحدة، يتطلب الوصول إلى مناعة القطيع إصابة أكثر من 40 مليون شخص. تشير التقديرات إلى أن معدلات الوفاة من كوفيد-19 تقدر بحوالي 2.3%، وقد تصل إلى 19% لدى المصابين بالأمراض الخطيرة. إذا كانت هذه المعدلات تقترب من الدقة، فهذا يعني أن تحقيق مناعة القطيع لفيروس كورونا في المملكة المتحدة سوف يؤدي إلى وفاة ما يقرب من مليون شخص أو أكثر، بالإضافة إلى إصابة ثمانية ملايين بالعدوى الشديدة التي تتطلب رعاية طبية حرجة.

مناعة القطيع - فيروس كورونا

صرحت الدكتورة سمية سواميناثان كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية منذ أيام، أنه يتوجب إصابة حوالي (60:50%) من السكان، حتى يصبحوا محصنين ضد فيروس كورونا. مما يضمن الوصول إلى التأثير الوقائي لمناعة القطيع. 

عادةً ما يتم تحقيق مناعة القطيع من خلال التطعيم وهي الوسيلة الأكثر أمانًا، وأردفت سواميناثان أن الدراسات التي أجريت في بعض الدول الأشد تضررًا من كوفيد-19 تظهر أن حوالي (10:5%) من الأشخاص لديهم الآن أجسام مضادة ضد الفيروس، وقد تصل النسبة إلي 20% في بعض البلدان. 

إصابتك الأولى لا تعني أنك محصن ضد الفيروس

معظم الأفراد الذين تعافوا من (كوفيد-19) طوروا أجسامًا مضادة للفيروس، ولكن حتى الآن، لا يوجد دليل قاطع يضمن حمايتهم من العدوى في حال تعرضوا لها مرة أخرى.

في كوريا الجنوبية على سبيل المثال، كان هناك أكثر من 160 شخصًا أظهروا نتائج إيجابية على وجود الفيروس بعد امتثالهم للشفاء، وفي الصين كانت نسبة الحالات الإيجابية المثبتة بعد التعافي تتراوح بين (10:5%).

هناك بعض الأسباب التي ترجح ذلك كالتالي:

  • يُعاد تنشيط الفيروس في أجسامهم بعد أن يهدأ لفترة من الوقت.
  • تعرض هؤلاء الناس للإصابة مرة أخرى.
  • ثمة خطأ في نتائج الاختبار.

تشير الأبحاث إلى أن الإصابة ببعض الفيروسات التاجية يمكن أن تتكرر مرة أخرى بعد عدة شهور من الإصابة الأولى. ويحدث ذلك في فئات معينة وتكون الأعراض أقل حدة عن سابقتها. نحن بحاجة إلى مزيد من البحث لتحديد التأثير الوقائي للأجسام المضادة. 

ولنفترض أن الإصابة بكوفيد-19 تخلق مناعة طويلة الأمد، هذا لا ينفي حاجتنا إلى تعافي أعداد كبيرة حتى نصل إلى معدل البدء لمناعة القطيع المنشودة. يقدر الخبراء هذه النسبة بحوالي 70% من سكان المملكة المتحدة، أي بما يعادل أكثر من 200 مليون شخص. إذا أصيب العديد من الأشخاص في آن واحد، فقد يؤدي هذا إلى تدهور نظام الرعاية الصحية، ووقوع مضاعفات خطيرة تنجم عنها ملايين الوفيات خاصةً بين كبار السن وأولئك الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة.

مناعة القطيع - فيروس كورونا

تتطور الفيروسات مثل الإنفلونزا بمرور الوقت، والأجسام المضادة المُكتسَبة من عدوى سابقة توفر الحماية لفترة زمنية قصيرة الأمد. وبالنسبة للإنفلونزا، تستمر الوقاية لأقل من عام. بينما فيروس (كورونا 2) المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم SARS-CoV-2 –أو كما يُعرف بمرض كورونا المستجد (كوفيد-19)- يشبه الفيروسات التاجية التي تصيب الإنسان بصورة مستمرة ويستطيع الجسم أن يكوِّن له أجسام مضادة، ولكنها قد تستمر لأشهر أو لسنوات قليلة فقط وليس مدى الحياة.

اقرأ ايضاً  طلاقي لم يكسرني.. لكني صرت أقوى

مناعة القطيع من منظور الفلسفة النفعية

دعونا ننحي كل الاعتبارات العلمية جانبًا ونتناول مفهوم مناعة القطيع وتداعياته من منظور فلسفة الأخلاق، وبالتحديد المذهب النفعي الذي ينص على أن أفضل سلوك يجب اتباعه هو السلوك الذي تنتج عنه أقصى استفادة ممكنة.

يرى الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثان مؤسس هذا المذهب، أن أي فعل يؤدي إلى سعادة الفرد أو المجتمع هو في الأصل فعل محمود يجب اتباعه. وجعل نتيجة السلوك هي المعيار الوحيد للحكم على مدى صحته. وبتطبيق هذا المبدأ على استراتيجية مناعة القطيع ودورها في مكافحة جائحة كورونا، يمكننا أن نلمس العديد من نقاط التناقض والمفارقات التي يصعب حلها.

فبينما يعتقد البعض بنفعية مفهوم مناعة القطيع بالمُجمل، يرى آخرون أن سلبياته تفوق بكثير الإيجابيات المتوقعة، وبالنظر  إلى كل من السلبيات والإيجابيات نجد أن خسارة الأرواح هي الأمر الحتمي الوحيد.

يقول مؤيدوا النظرية أننا بطبيعتنا لن نصمد أمام إجراءات التباعد الاجتماعي طويلًا، نحن نميل إلى الحرية والمواجهة، الهروب يولد الخوف والخوف يُخلِف الوهم الذي بدوره قد يكون أشد فتكًا من المرض. للعزلة الاجتماعية تأثير سلبي على الصحة العقلية للأفراد، ويقول بعض الخبراء أننا قد نشهد زيادة في حالات الانتحار إذا استمرت القيود الحالية.

ويعلق حاكم ولاية تكساس دان باتريك مؤخرًا على قرارات التخفيف من إجراءات التباعد الاجتماعي قائلًا:

لنعد إلى الحياة.. لنكن أذكياء، سنحرص على سلامتنا وسلامة أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 70 عامًا، لكننا لن نضحي بالبلد.

مناعة القطيع - فيروس كورونا

كما أننا بالفعل نفقد الأرواح، ولكن يُعتقد أن إجمالي الوفيات المتوقعة عند التخلي عن قيود العزل ستكون أقل من حيث النسبة المتعارف عليها في بداية انتشار الفيروس، ويجب أن نتحمل عواقب الحفاظ على استقرار الوضع الاقتصادي للبلاد. تطبيق مناعة القطيع سوف يسمح بزيادة الإنتاجية، فضلًا عن حرية الحركة والتنقل، سوف يتساوى الجميع صغارًا وكبارًا في مقدار التعرّض للخطر، بمجرد إصابة جزء كاف من السكان يُقدر بحوالي (70:60) أو أقل قليلًا. 

إلّا أن البعض يرى أن مناعة القطيع ما هي إلا مؤامرة تُدبرها لنا الشركات الرأسمالية الكبرى من أجل مصالحها ليس أكثر. وعلى الرغم من ذلك هناك العديد من الحجج النفعية التي تعطي الأولوية للوضع الاقتصادي على حساب حياة الأفراد المحتمل لهم أن يموتوا بسبب كوفيد-19، وهذا إذا سمحنا للفيروس بالانتشار وهي فئة كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.

وبإسقاط مذهب النفعية على هذا الرأي نجد أنه الأكثر ترجيحًا رغم قسوته، حيث يمثل الشباب والأصحاء غالبية السكان، وستفقد هذه المجموعة الحيوية (عصب المجتمع) مصدر رزقها إذا استمر الإغلاق الاقتصادي والاجتماعي الصارم استجابة لتهديد كوفيد-19. وتشير التقديرات الأخيرة من خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة إلى أن التجمد الاقتصادي الناجم عن جائحة كورونا يمكن أن يتسبب في خسارة 47 مليون وظيفة ويرفع معدل البطالة لما يزيد عن 32%.

مناعة القطيع تُفاضل بين أرواح البشر والوضع الاقتصادي

على الرغم من العقلانية المجردة التي تطغى على الآراء السابقة، إلّا أن المفاضلة بين الأرواح والاقتصاد لا تزال مصدرًا رئيسيًا للقلق الأخلاقي. قد تؤدي استراتيجية مناعة القطيع إلى ارتفاع معدل الوفيات بين كبار السن في المجتمع مقارنةً بالاستراتيجيات الأخرى، حتى إذا كان معدل الوفيات الكلي من كوفيد-19 أقل مما كان يعتقد في البداية.

يدّعي أنصار النفعية أن هذا الأمر مقبول، فمن الأفضل -من وجهة نظرهم- أن يموت كبار السن والمرضى كبديل للضرر الاقتصادي واسع النطاق الناجم عن تدابير قمعية ودفاعية أكثر صرامة. 

لكن هذه الحجة مثيرة للجدل الأخلاقي، فبدلًا من إظهار التضامن مع أعضاء المجتمع الأكثر ضعفًا، نشجع على حماية السوق من أجل تجنب الأضرار الاقتصادية! تدخل السوق أمر خطير لكن الفيروس أشد خطرًا. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هنا: هل حماية البشر أقل أهمية من الانعاش الفوري للأوضاع الاقتصادية؟ وأين مبدأ النفعية من حل تلك المفارقة؟!

يختلف الجواب باختلاف كل فئة ومقدار الضرر الذي سيلحق بها. 

مناعة القطيع - مصل فيروس كورونا

وأخيرًا علينا إيجاد سبيل واقعي وعلمي للموازنة بين هذا وذاك، فلا نجنح إلي الأساليب الصارمة الدفاعية ولا نركن إلى التخلي التام عن الإجراءات الاحترازية بصورة آنية. يجب أن يكون التعامل مع سياسات التباعد الاجتماعي أكثر تنظيمًا. فمن الممكن أن نقلل من قيود التباعد عندما تنخفض أعداد العدوى، ثم نعيد تنفيذها مرةً أخرى تزامنًا مع زيادة الأعداد.

علينا التحلي بالصبر، فالفيروس بحاجة إلى جهد طويل حتى نستطيع السيطرة عليه إلى أن يتم اختبار فاعلية اللقاح وضخه في الأسواق. ومن المتوقع على المدى الطويل أن ينخفض معدل الانتشار بشكل ملحوظ؛ لأن أعدادًا لا بأس بها من السكان ستصبح محصنة في المستقبل.